include_once("common_lab_header.php");
Excerpt for وَزَّةُ السُّلْطَانِ by , available in its entirety at Smashwords



وَزَّةُ السُّلْطَانِ

كامل كيلاني





الفهرس





الفصل اﻷول ألف الدينار

الفصل الثاني الوزة الذهبية

الفصل الثالث الكاذب الحادي عشر

الفصل الأول



أَلْفُ الدِّينَارِ

(١)فِي بِلَادِ الْغُرْبَةِ



لَا شَكَّ فِي أَنَّهَا مُفَاجَأَةٌ عَجِيبَةٌ أَنْ يُوجَدَ الْإِنْسَانُ فِي مَجْلِسٍ مِنَ الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُهُمْ، فَلَا يَكَادُ يَجْلِسُ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَرَاهُمْ مَشْغُولِينَ بِالْحَدِيثِ عَنْهُ، وَقَدْ ظَهَرَتْ عَلَى وُجُوهِهِمْ عَلاَمَاتُ السُّرُورِ وَالاِرْتِيَاحِ. هَكَذَا شَعَرْتُ حِينَ دَخَلْتُ الْفُنْدُقَ الْكَبِيرَ، بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِقَلِيلٍ، فِي مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهَا قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ. والْفُنْدُقُ أَوَّلُ مَا يَهْتَمُّ بِهِ الْغَرِيبُ، فَهُوَ خَانٌ مُعَدٌّ لِنُزُولِ الْغُرَبَاءِ وَالْمُسَافِرِينَ. وَلَقَدْ كَانَ السَّفَرُ — وَلَا يَزَالُ — مِنْ أَحَبِّ الْأَشْيَاءِ إِلَى نَفْسِي. وَقَدِ اسْتَفَدْتُ مِنْهُ فَوَائِدَ كَثِيرَةً جِدًّا، وَعَرَفْتُ مَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ مِنْ لَطائِفِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُمَثِّلُ أَخْلَاقَ النَّاسِ وَطَبَائِعَهُمْ.



(٢) حَدِيثُ التُّجَّارِ



كَانَتْ هذِهِ الرِّحْلَةُ السَّعِيدَةُ مِنْ أَعْجَبِ الرِّحْلَاتِ الَّتِي مَرَّتْ بِي فِي حَيَاتِي. وَلَمْ أَكَدْ أَحُلُّ بِالْفُنْدُقِ حَتَّى رَأَيْتُ جَمَاعَةً مِنَ التُّجَّارِ يَتَحَدَّثُونَ، فَبَدَأْتُهُمْ بِالسَّلَامِ، فَرَدُّوا عَلَيَّ أَحْسَنَ رَدٍّ، وَرَحَّبُوا بِي أَكْرَمَ تَرْحِيبٍ.

ثُمَّ عَادُوا يَتَحَدَّثُونَ كَمَا كَانُوا قَبْلَ حُضُورِي. وَكَانَتْ دَهْشَتِي عَظِيمَةً حِينَ رَأَيْتُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ عَنِّي.



(٣) الْفُضُولِيُّ



وَكَانَ أَوَّلَ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ حَدِيِثِهِمْ قَوْلُ أَحَدِهِمْ: «إِنَّ مِنْ أَعْجَبِ ما عَرَفْتُهُ مِنْ لَطَائِفِ صَاحِبِكُمْ: «أَبِي الْغُصْنِ جُحَا» قِصَّتَهُ مَعَ جَارِهِ «إِبْرَاهِيمَ الْمُوَسْوِسِ». وَكَانَ هَذَا الْجَارُ — إِذَا صَحَّ مَا قِيلَ عَنْهُ — رَجُلًا يَجْمَعُ بَيْنَ الْغَبَاوَةِ وَالتَّلَصُّصِ. وَقَدْ عُرِفَ — بَيْنَ أَصْحَابِهِ — بِالْغَفْلَةِ وَالْفُضُولِ وَالاِنْدِفَاعِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، بِلَا تَعَقُّلٍ، وَلَا رَوِيَّةٍ، وَلا تَدَبُّرٍ. وَكَانَ جِيرَانُهُ وَأَصْحَابُهُ يُبْغِضُونَهُ أَشَدَّ الْبُغْضِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ مِنَ التَّجَسُّسِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَتْرُكُ الْإِسَاءَةَ إِلَيْهِمْ، وَاحِدًا بَعْدَ الْآخَرِ. وَكَثِيرًا مَا أَبْصَرَهُ «جُحَا» يُطِلُّ عَلَيْهِ مِنْ نَافِذَةٍ صَغِيرَةٍ بِالْقُرْبِ مِنْ سَطْحِ غرْفَتِهِ، لِيَتَعَرَّفَ أَخْبَارَهُ، مَسَاءً، وَظُهْرًا، وَقُبَيْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.



(٤) حِيلَةُ «جُحَا»



فَعَزَمَ «جُحَا» عَلَى أَنْ يُعَاقِبَهُ عِقَابًا لَا يَنْسَاهُ، مَدَى الْحَيَاةِ. وَرَآهُ «جُحَا» ذَاتَ يَوْمٍ — فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ — يَتَجَسَّسُ عَلَيْهِ. فَتَظَاهَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ شَيْئًا وَلَمْ يَفْطُنْ إِلَى أَحَدٍ. وَراحَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَهُوَ يَدْعُو اللهَ أَنْ يَمْنَحَهُ أَلْفَ دِينارٍ كامِلَةً، لا تَنْقُصُ شَيْئًا وَلَا تَزِيدُ شَيْئًا. فَإِذَا نَقَصَتْ، وَلَوْ دِينَارًا وَاحِدًا، أَوْ زَادَتْ دِينَارًا وَاحِدًا، فَلَنْ يَمَسَّها، وَلَنْ يَقْبَلَهَا أَبَدًا. وَظَلَّ «أَبُو الْغُصْنِ» يُرَدِّدُ هَذَا الدُّعَاءَ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ مِنْ كُلِّ صَبَاحٍ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ جَارُهُ وَهُوَ يَتَجَسَّسُ عَلَيْهِ، حَتَّى جَازَتْ حِيلَتُهُ عَلَى هَذَا الْفُضُولِيِّ الْأَبْلَهِ.



(٥) دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ



وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ دَفَعَهُ فُضُولُهُ وَغَبَاوَتُهُ إِلَى اخْتِبَارِ «جُحَا» وَتَجْرِبَتِهِ لِيَتَحَقَّقَ صِدْقَ ما يَقُولُ فِي دُعائِهِ إِلَى اللهِ. وَلَمْ يَتَرَدَّدْ جَارُهُ فِي أَنْ يُلْقِي إِلَيْهِ مِنْ نَافِذَةِ حُجْرَتِهِ كِيسًا، فِيهِ تِسْعُمِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِينارًا. وَأَطَلَّ عَلَيْهِ الْجارُ مُتَجَسِّسًا مُتَلَصِّصًا لِيَرَى مَا يَصْنَعُ. فَمَاذَا رَأَى؟ رَأَى «جُحَا» يَبْتَهِجُ لِرُؤْيَةِ الدَّنَانِيرِ، وَيَهَشُّ لَهَا فَرْحَانَ مَسْرُورًا، ثُمَّ يَعُدُّهَا دِينَارًا بَعْدَ دِينَارٍ. فَإِذَا انْتَهَى مِنْ عَدِّهَا، حَمِدَ اللهَ عَلَى تَحْقِيقِ رَجائِهِ، واسْتِجَابَةِ دُعَائِهِ، ثُمَّ قَالَ «تَبَارَكْتَ يَا رَبَّ السَّمَاءِ، مَا أَعْظَمَ فَضْلَكَ وَأَكْثَرَ مِنَنَكَ عَلَى عَبْدِكَ «جُحَا» الشَّاكِرِ لِنَعْمَائِكَ. لَقَدْ نَوَّلْتَنِي مَا طَلَبْتُ، وَأَظْفَرْتَنِي بِمَا أُرِيدُ. وَما أَظُنُّ الدِّينَارَ الْباقِي إِلَّا آتِيًا بَعْدَ قَلِيلٍ».

وَلَمْ يَكَدْ «أَبُو الْغُصْنِ» يُتِمُّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ حَتَّى أَسْرَعَ إِلَى غُرْفَةٍ أُخْرَى، لِيَخْبَأَ فِيهَا مَا ظَفِرَ بِهِ مِنَ الْمَالِ.

(٦) فَزَعُ «الْمُوَسْوِسِ»



وَلَمْ يَكَدْ جَارُهُ يَرَى هَذَا حَتَّى اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْفَزَعُ. وَتَمَلَّكَهُ الْخَوْفُ عَلَى مَالِهِ مِنَ الضَّيَاعِ. فَأَسْرَعَ إِلَى «جُحَا» يُطَالِبُهُ بِرَدِّ دَنَانِيرِهِ إِلَيْهِ، بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهُ بِقِصَّتِهِ كُلِّهَا. وأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى شَيْءٍ سِوَى مُدَاعَبَتِهِ (أَيْ: مُمَازَحَتِهِ). وَاشْتَدَّتْ بَيْنَهُمَا الْمُنَاقَشَةُ عَلَى غَيْرِ طَائِلٍ، أَعْنِي: بِلَا فَائِدَةٍ.


Purchase this book or download sample versions for your ebook reader.
(Pages 1-4 show above.)